محمد هادي معرفة

190

التمهيد في علوم القرآن

والثاني : أنّه كان يذكر القصّة الواحدة مرارا مختلفة بألفاظ مختلفة . وكلّ ذلك مشابهة في الفصاحة . مع أنّ الفصيح إذا ذكر قصّة مرّة واحدة بالألفاظ الفصيحة عجز عن ذكرها بعينها مرّة أخرى بألفاظ فصيحة . فيستدلّ بفصاحة الكلّ على كونها من عند اللّه تعالى لا من البشر « 1 » . 2 - غيب الحاضر : والمقصود : ما جرى على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من حوادث لم يحضرها هو ولا الخصّيصون من أصحابه ، فنزل القرآن متضمّنا لها ومخبرا بحقيقة ما جرى . حيث لولا إخبار القرآن بها لظلّت مكتومة على المسلمين وغيرهم ممّن غابت عنه ، ولا سيّما الدسائس الخفيّة التي كان يقوم بها المنافقون ، وكانت المحاولة شديدة على إخفائها ، فافتضحهم القرآن الكريم . وكان في تنبيه القرآن الكريم الرسول ومن معه من المؤمنين على الحقيقة وتوجيههم إلى ما ينبغي اتّخاذه حيال الوقائع ، كان في ذلك ضمان لسلامة سير الدعوة وتجنيب لها عن الوقوع فيما كان يخطّط لها الأعداء من الكفّار والمنافقين . فالغاية الأساسية من الغيب الحاضر هو تأييد الدعوة والأخذ بيدها والسير بها على بيّنة من أمرها ، وإن كان قد يضمّ إلى ذلك جانب دلالته على صدق الرسالة ، ووجود تلك الصلة الوثيقة بينها وبين ربّ السماء والأرض العالم بغيوبهما عن أعين الناس ، حيث لم يكن لصاحب الدعوة ولا لذويه علم بما دار في غيابهم ، وما خطّط لهم وكاد يجري تنفيذه ، حتّى أماط القرآن الكريم اللثام عنها وكشف عن واقعها . ولنذكر أمثلة من هذا النوع من الإعجاز الغيبي ، ليظهر لنا من خلالها الهدف

--> ( 1 ) أسرار التنزيل : ص 7 ( الفرقان والقرآن لخالد العكّ : ص 238 ) .